منذ عقود والمدينة تدفع ثمن خيار اقتصادي وبيئي فاشل اسمه المجمع الكيميائي التونسي. ما بدأ في الستينات كمشروع تنموي تحوّل إلى نموذج ينهك الأرض والبحر والناس. فبحسب ما نشرته منظمة أليرت
، بلغت خسائر المجمع نحو 800 مليون دينار سنة 2019، لترتفع التقديرات إلى 1،4 مليار دينار سنة 2022، في حين سجّل 608 ملايين دينار خسارة صافية سنة 2020. مصانع تعمل بأقل من نصف طاقتها، ونموذج لم يعد يخلق لا الثروة ولا فرص العمل، بل التبعية والتلوّث.
النتائج على الأرض لا تحتاج إلى تقارير: هواء ملوّث، أراضٍ زراعية ميتة، وواحات تفقد توازنها البيئي. الفوسفوجيبس، الناتج عن تحويل الفسفاط، يُلقى في البحر واليابسة رغم الوعود بإعادة توظيفه في مواد البناء. وفي سنة 2023، أُعيد تصنيفه إداريًا كمادة غير سامة، في خطوة اعتبرتها منظمات بيئية محاولة لتبييض التلوّث بدل معالجته. البحر الذي كان مصدر رزق مئات العائلات أصبح اليوم مسرحًا للنفايات الصناعية، والصيادون في قابس يتحدثون عن موت متواصل للحياة البحرية.
في الضفة الأخرى، يعاني الفلاحون من تدهور نوعية المياه والتربة. مناطق كانت خضراء تحوّلت إلى أراضٍ قاحلة بسبب الأمطار الحمضية وتسرّب الملوثات الثقيلة. الواحات القديمة، رمز الاستدامة البيئية في الجنوب، لم تعد قادرة على الصمود أمام هذا الضغط الكيميائي المستمر. والمفارقة أنّ هذه الكارثة البيئية تأتي من مؤسسات عمومية يُفترض أن تكون في خدمة التنمية.
ما يحصل ليس صدفة بل نتيجة منوال مركزي يقرّر في العاصمة ويُنفّذ على حساب الجهات المنتجة. قابس لم تستفد من ثروتها، بل حوصرت بها. الدولة تتحدث عن “توازن بين التنمية والبيئة” لكن لا توازن ممكن حين يكون الربح فوق الحياة.
اليوم لم يعد ممكناً الحديث عن تأهيل أو تطوير هذا المجمع، لأن أصل المشكل في وجوده ذاته. المطلوب ليس ترقيع الأضرار بل تفكيك الوحدات الملوِّثة فوراً، وإيقاف نزيف البحر والواحات والهواء.